ابن عربي

731

الفتوحات المكية

الكفارة أوجب وأصل ما ينبغي عليه هذا الباب وجميع أفعال العبادات كلها علم إضافة الأفعال هل تضاف إلى الله وإلى العباد أو إلى الله وإلى العباد فإن وجودها محقق ونسبتها غير محققة فلنقل أولا في ذلك قولا إذا حققته ونظرت فيه نظر منصف عرفته أو قاربت فإني أفصل ولا أعين الأمر على ما هو في نفسه لما فيه من الضرر واختلاف الناس فيه والخلاف لا يرتفع من العالم بقولي فإبقاؤه في العموم على إبهامه أولى وعلماء رجالنا يفهمون ما أومئ إليه فيها فأقول إن الله قد قال إنه ما خلق الله الخلق إلا بالحق وتكلم الناس في هذا الحق المخلوق به وما صرح أحد به ما هو إلا أنهم أشاروا إلى أمور محتملة فاعلم إن الحق المخلوق به والعالم المخلوق أمران محققان أنهما أمران عند الجميع غير أنهما نظير الجوهر الهبائي والصورة ومعلوم عند الجماعة أن الأفعال تصدر من الصورة ولكن من هو الصورة هل العالم أو المخلوق به الذي هو الحق الذي قال الله فيه ما خلقناهما إلا بالحق وبالحق أنزلناه وبالحق نزل فمن رأى أن الحق المخلوق به مظهر صور العالم ظهرت فيه بحسب ما تعطيه حقائق الصور على اختلافها بحسب الأفعال إلى الخلق ومن رأى أن أعيان الممكنات التي هي العالم هو الجوهر الهبائي وأن الحق المخلوق به هو الصورة في هذا العالم وتنوعت أشكال صوره لاختلاف أعيان العالم فاختلفت عليه النعوت والألقاب كما تنسب الأسماء الإلهية من اختلاف آثارها في العالم فمن رأى هذا نسب الفعل إلى الله بصورة الصورة الظاهرة ومن رأى أن ظهور الصورة لا يتمكن إلا في الجوهر الهبائي وأن الوجود لا يصح للجوهر الهبائي في عينه إلا بحصول الصورة فلا تعرف الصورة إلا بالجوهر الهبائي ولا يوجد الجوهر الهبائي إلا بالصورة نسب الأفعال إلى الله بوجه وإلى العباد بوجه فعلق المحامد والحسن بما ينسب من الأفعال للحق وعلق المذام والقبح بما ينسب من الأفعال للعباد بالخلق الذي هو العالم لحكم الاشتراك العقلي والتوقف في العلم بكل واحد منهما وتوقف كمال الوجود على وجودهما وقد رميت بك على الجادة فهذا تفسير وما رميت إذا رميت ولكن الله رمى فنفى الرمي عمن أثبته له يقول الله في هذه الآية عين ما قلناه في هذه المسألة وذهبنا إليه والله يقول الحق وهذا قوله وهو يهدي السبيل أي يبينه لنمشي عليه ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم فمشينا عليه بحمد الله فأثبت بهذه الآية أن أعيان العالم هو الجوهر الهبائي إلا أنه لا يوجد إلا بوجود الصورة وكذلك أعيان العالم ما اتصفت بالوجود إلا بظهور الحق فيها فالحق المخلوق به لها كالصورة وقد أعلمتك أن الفعل كله إنما يظهر صدوره من الصورة وهو القائل ولكن الله رمى فكان الحق عين الصورة التي تشاهد الأعمال منها فتحقق ما ذكرناه فإنه لا أوضح مما بين الله في هذه الآية وبيناه نحن في شرحنا إياها على التفصيل والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم صراط الله والصراط الذي عليه الرب والصراط المضاف إلى الحقيقة في قوله وأن هذا صراطي مستقيما ولكل صراط حكم ليس للآخر فافهم والسلام وأما صراط الذين أنعمت عليهم فهو الشرع ( وصل في فصل اختلافهم في توقيت الإطعام والصيام ) اختلفوا في توقيت الإطعام والصيام فالأكثرون على أن يطعم ستة مساكين وقال قوم عشرة مساكين والصيام عشرة أيام واختلفوا في كم يطعم كل مسكين فقال بعضهم مدين بمد النبي صلى الله عليه وسلم لكل مسكين وقال بعضهم من البر نصف صاع ومن التمر والزبيب والشعير صاع وأما قص الأظفار فقال قوم ليس فيها شئ وقال قوم فيه دم وفروع هذا الباب كثيرة جدا فمن اعتبر الستة المساكين نظر إلى ما يطعم الصفات مما تطلب فوجدناها ستة كونية عن ستة إلهية فما للإلهية من الحكم للكونية من الحكم وإطعامها ما تطلبه لبقاء حقيقتها فإنه لها كالغذاء للأجسام الطبيعية فالمعلوم للعلم طعام فيه يتعلق وكذلك الإرادة والقدرة والكلام والسمع والبصر وأما الحياة فليس لها مدخل في هذا الباب فغاية حقيقتها الشرطية لا غير وهو باب آخر ولما كانت الحضرة حضرتين كان من المجموع اثنا عشر وهو نهاية أسماء بسائط العدد الذي يعم الحضرتين فإن العدد يدخل عليهما ولهذا ورد تعدد الصفات والأسماء المنسوبة إلى الله وأما حكمه في الكون فلا يقدر أحد على إنكاره كما أنها أيضا نهاية انتهاء وزن الفعل الذي هو مركب من مائة وثمانين درجة وسأبين حكمها إن شاء الله فأما أوزان الفعل في الأسماء فهي اثنا عشر وزنا كل وزن يطلب ما لا يطلبه الآخر وهي